صديق الحسيني القنوجي البخاري
281
أبجد العلوم
يصح على الآخر ، فإذا احتاج البعد لذاته في الأجسام إلى مادة احتاج إليها جميع الأبعاد فصارت أجساما ، وقد عرفت انتفاء المماثلة من بيان أحكامه ، وتارة بأن استحالة التداخل للبعدية ، فلو كان بعدا مجردا امتنع انتقال الجسم فيه من حيّز إلى حيّز آخر . ومن البيّن أن التداخل في الجواهر الفردة « 1 » عندهم ممتنع ، فالتحيز على الاستقلال علة قطعا ، فإن فرض في المقادير ما يؤدي إليه كان ممتنعا بتلك العلة فلا حاجة إلى علة أخرى ، ولا نجد تداخلا ممتنا لا يؤدي إليه حتى يثبت علة ثانية . مع أن المذكور في تعريف التداخل بالاتفاق هو دخول متحيزين حيّز واحد ، ولم يقل أحد بأن دخول متحيّز في حيّز « 2 » ثان منه . والصوفية شاهدوا في كل موطن من الغيب والشهادة زمانا ومكانا غير ما في موطن آخر فصّله عين القضاة « 3 » في ( رسالته الزمانية والمكانية ) وسكتّ عنه إذ الغرض مجرد التمثيل لا القصد إلى تحقق أمره . فالمتكلمون يلازمون المشائية في أول الأمر ويرجعون إلى الإشراقية في آخر الأمر ويسمونه موهوما لضابطة تستفاد من كلامهم ، وهي أنهم عرّفوه بفراغ موهوم يشغله شاغل ، ففسره أتباعهم بأنه لا شيء محض ، وينافيه قولهم : « لو كان الواجب متحيزا لزم إما قدم الحيّز أو كونه تعالى محلا للحوادث » وقولهم بوجود الوضع وهو الكون في الحيّز الذي قسموه إلى اتصال وانفصال وحركة وسكون ، إذ لا معنى لوجود الكون في اللاشيء المحض ، فلا يكون تسمية المكان المشار إليه ، والزمان المؤرخ المقسوم ، والمقدار الممسوح ، والعدد المضروب والمقسوم موهوما كتسمية غلاف حلس على قرص الشمس ، وقيل في الكوز موهوما بل يفهم من موارد استعمالاتهم وإن لم يتفوهوا به أن الأعيان والمعاني المحسوسة للعامة أو الخاصة وما يتوقف هي عليه موجودة عندهم ، وغيرها مما يلحقها كهذه الأمور والحقوق والعقود والأحكام الخمسة عندهم موهومة ، ولها في الخارج آثار ، وليست من قبيل الموجودات الذهنية التي أنكروا وجودها لمشاركة
--> ( 1 ) الجوهر الفرد : هو الجزء الذي لا يتجزأ . ( 2 ) الحيز ( بالفتح وكسر الياء المثناة التحتانية المشددة ، وقد جاء بتخفيف الياء وسكونها أيضا ) : هو في اللغة الفراغ مطلقا ، سواء كان مساويا لما يشغله أو زائدا عليه أو ناقصا عنه . وفي اصطلاح الحكماء والمتكلمين : لا يتصور زيادة الشيء على حيزه ولا زيادة حيزه عليه ( كشاف اصطلاحات الفنون : 1 / 406 ، 407 ) . ( 3 ) هو عبد اللّه بن محمد الميانجي السهروردي الهمداني المتوفى سنة 525 ه ( معجم المؤلفين : 2 / 287 ) .